عودة "فحل الوز" / سيدي علي بلعمش

أحد, 2014-08-24 11:57

لقد حذرت ولد عبد العزيز في مقالي السابق من الذهاب إلى أمريكا و لم يسمع ، لا نصحا له و لكن حفاظا على سمعة موريتانيا و مصالحها . و الحقيقة أن ولد عبد العزيز كان أمام خيارين أحلاهما مر ؛ فما كان ذهابه إلى أمريكا يفيد في شيء و لا جلوسه عنها ينفعه في آخر. و حين تجدون ولد محم يهلل لبطولة من بطولات ولد عبد العزيز الزائفة (مثل حديثه عن فوائد زيارة أمريكا)، تأكدوا دائما أن ذلك للتغطية على فضائح ، لم تصل مسامعكم بعد..  فقد بدأت زيارة "فحل الوز" لأمريكا بتفتيشه تفتيشا مهينا حد نزع ثيابه (و حين نفسر هذه الإهانة الأمريكية بالخوف من "الآيبولا" التي ظهرت منها حالات قليلة في إفريقيا (في حدود 350 حالة)، كما زعم البعض، يكون علينا أن نكمل بقية التخوفات الأمريكية المماثلة ؛ مثل السيدا و فيروس الكبد الوبائي المنتشرين في القارة بمئات الملايين و المخدرات المنتشرة بشكل أكثر و تهريب العملات و أجهزة التنصت المزروعة حتى في أحشاء البعض و الجداول و التمائم و قرون البقر و رؤوس الضفادع و أحزمة الودع و بقية عجائب تراث القارة الحافل بالسحر و الدجل و الخزعبلات .. لقد أرادت أمريكا من خلال هذا الاحتقار أن تقول للشعوب الإفريقية، إن بلدانا ما زال يحكم فيها أمثال "الجنرال ولد عبد العزيز" و "فخامة الشيخ البروفيسور الحاج الدكتور يحيى جامي، ناصر الدين بابيلي مانسا". لا يمكن أن تـُستدعى للتشاور مع الأمريكيين و إنما جيء بها لتسمع من أمريكا أن زمنها قد ولى و أنماط أحكامها لم تعد مقبولة. هذا بالضبط هو ما سمعه كل رئيس إفريقي من أمريكا ، كل على حسب عقله و قدرته على الاستيعاب و علينا هنا أن نشير إلى أن المترجم بين كيري و ولد عبد العزيز وجد نفسه في ورطة حقيقية حيث كان ولد عبد العزيز يقول له بعض الفكرة بالفرنسية و بعضها الآخر بالعربية و كانت عربيته ضعيفة و مرتبكة و فرنسيته متصدعة و متعلثمة و أفكاره مشوشة و مضطربة.. ـ في أمريكا تجد بارون مخدرات معروف لدى جميع الأجهزة أو رئيس عصابة تهريب أو غسيل أموال، حرا طليقا و تمضى أحيانا أجهزة متابعة الدولة سنوات و أشهر في مراقبته بحثا عن الدليل المادي، و لا أدري لماذا أخذت الأجهزة الأمريكية عينة من حمض ولد عبد العزيز النووي (DNA) ، إذا لم يكونوا قبضوا على بعض تراث صناديق كومبا با و عثمان علوي (العراقي).!؟ ـ لقد جاء ولد عبد العزيز إلى أمريكا ، رئيسا دوريا لقارة من أكثر من 50 دولة و أتحدى ولد محم الذي أمضى حوالي ساعة من الزمن يتكلم عن فوائد الزيارة ، أن يقول لي أن المسؤولين الأمريكيين ناقشوا مع ولد عبد العزيز قضية إفريقية واحدة ، مهما كانت بساطتها أو إلحاحها.. و هذا هو ما جعل ولد عبد العزيز يستكتب مقالا يتحدث فيه عن مشاكل القارة و معاناة شعوبها و دائما حين يظهر السبب يبطل العجب (كما يقال)، لكي يتناول الإعلام بعض أقاويله كنوع من الحضور و هي فكرة جيدة على كل حال ، لو لم يحاول ولد محم إعطاءها بعدا ليست منه في شيء ، فما معنى مقال ولد عبد العزيز ؟ معناه يا ولد محم أنه شعر بالمهانة من عدم نقاش أي مسؤول أمريكي معه شؤون القارة كأنهم لا يعتبرونه رئيسها الدوري و معناه من أخرى أنه لم يكن قادرا على إعطاء أفكار مرتبة، على مستوى المقال المتواضع (حتى لا أقول ركيك رغم صحتها)، مع أي وسيلة إعلام، فكان المقال أرحم به و كان الإحراج قدره في كل الأحوال.. و صحيح أن الأمريكيين كانوا قاسين مع الوفود الإفريقية بشكل عام حيث أدخلوهم في قاعات و أخبروهم أنهم يرتكبون جرائم لم يعد السكوت عليها ممكنا في مجال حقوق الإنسان و نهب المال العام و انعدام الحريات و التمسك بالحكم و تغييب المجتمع المدني و الاستهتار بالقيم الديمقراطية و الانفراد بالسلطة بشكل فج و تزوير الانتخابات و تهديد السلم و الاستقرار في بلدانهم بسبب الانقلابات العسكرية، لكن الرئيس الأمريكي كان يعي أن عليه أن لا يعمم؛ و قد التقى على انفراد بأربع رؤساء وفود أفارقة من بينهم بليز كامباوري و صاحب جنوب إفريقيا ، حتى لا يصدق البعض أنه لم يلتق ولد عبد العزيز مثل الآخرين رغم أنه كان الوحيد الذي لا يمكن لأمريكا تبرير عدم لقائه بأوباما كرئيس دوري للاتحاد الإفريقي. ـ و من والإهانات السافرة التي تعرض لها الوفد الموريتاني على وجه الخصوص ، خلو ثلاجات الفندق من أي مشروب و اشتراط الأمريكيين الدفع المقدم لتوفيره .. و رفض قبول تقديم فاتورة مسبقة مما دفع ولد عبد العزيز إلى استعمال بطاقة رصيده .. إذا لم يكونوا يريدون متابعتها هي الأخرى؟ و لا أدري ماذا جاء بولد انويكظ و لا كيف دخل على الخط ليتولى العبء الأكبر من فاتورة الوفد الموريتاني في أمريكا..! على ولد أنويقظ أن يفهم أن عزيز ما قرب أحدا قبله إلا وطعنه يوما في الظهر و لا أحب أحدا إلا انتهى ببغضه و لا كرمه أحد إلا أهانه .. ـ لقد كانت الرقابة الأمريكية صارمة، مما جعل تكيبر تعرض عن التبضع ربما بأمر من ولد عبد العزيز رغم أنها دخلت أمريكا بمبلغ ضخم في حدود 150 ألف دولار ؟ و في الأخير ألزمت أمريكا ولد عبد العزيز بإعطاء الأوراق المدنية "للزنوج الموريتانيين" (وقد نظموا تظاهرة مزعجة أمام مقر إقامته) كما أمرته بحل مشكلة العبودية و العمل على إنهائها بشكل جذري .. ـ و تم تتويج زيارة ولد عبد العزيز لأمريكا بتكريم بيرام ولد اعبيدي بميدالية "صدى إفريقيا 2014" و هي أعلى وسام تمنحه أمريكا للناشطين في مجال مكافحة العبودية.. و حول صحة ولد عبد العزيز، أخبره الأمريكيون ـ بعد فحص عمليته ـ أن عليه أن يواصل مع مستشفى بيرسي في فرنسا!؟ فأي هذه النقاط يا ولد محم يمكن أن تمثل انتصارا لولد عبد العزيز؟ ـ عاد ولد عبد العزيز من أمريكا مكسور الخاطر، محبط الهمة و عاد بجبل من الأوامر الثقيلة : احترام حقوق الإنسان ، التخلي عن الانفراد بالسلطة، عن تزوير الانتخابات ، عن نهب المال العام، عن فكرة البقاء على الكرسي ... كانت هذه التعليمات قاسية و صارمة و نهائية .. كانت نيته بعد عودته من أمريكا أن يشكل حكومته و يذهب في رحلة علاج و نقاهة إلى فرنسا لحضور الذكرى السبعين المخلدة لإنزال قوات الحلفاء في ابروفانس الفرنسية (عملية دراغون) في الرابع عشر من أغسطس 1944 ، التي شارك فيها الجيش الفرنسي بحوالي 250 الف جندي تحت قيادة الجنرال لاتردو تاسينيي، كان أكثر من نصفهم من المستعمرات الإفريقية . و لم يأت ولد عبد العزيز ليبكي على أرواح أجداده و إنما جاء للاحتفاء بموتهم دفاعا عن فرنسا تماما مثل ما قدم أرواح مئات الجنود الموريتانيين ليفدي بها روح العجوز الفرنسي ميشال جيرمانو الذي أعلن زعيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" أبو مصعب عبد الودود في شريط مسجل بثته قناة الجزيرة، أنه قتله يوم السبت 24 يوليو 2010 "ثأرا لاخواننا الستة الذين استشهدوا خلال العملية الجبانة لفرنسا التي تمت بالتعاون مع القوات الموريتانية ضد وحدة تنتمي إلى القاعد". .. و حين جاء إلى فرنسا، فهم لماذا عجلوا برحيل سفيرهم لكي لا يحضر تنصيبه و لماذا كان آخر لقاء له حفل عشاء بين أفراد "إيرا" لتوديع بيرام في رحلته "البطولية" إلى أمريكا!؟ لم يحظ ولد عبد العزيز بأي اهتمام من قبل النخبة السياسية الفرنسية؛ فهل عاقبته فرنسا على عدم التشاور معها في ما كان يجب أن يقدم للأمريكيين كرئيس للاتحاد الإفريقي.؟ هل تعاقبه مثل أمريكا على عدم الوفاء لها بتقديم الملف الإسرائيلي بسبب أزمة غزة ؟ هل تعاقبه على تخبطه الأعمى في أمور معقدة لا يفهم فيها أي شيء؟.. عاد ولد عبد العزيز من فرنسا ، لا مكسور الخاطر هذه المرة ، بل مصدوما و مرعوبا .. لقد أذهله أن يسمع نفس الخطاب الأمريكي من الفرنسيين ، فعاد مسرعا قبل فوات الأوان .. ـ كان ولد عبد العزيز قبل ذهابه إلى أمريكا قد أبدى بعض الليونة تجاه المغرب (بل أظهر أعلى درجات خفض جناح الذل لها) و كان على استعداد تام ليمكر بالجزائر و يتحول فجأة إلى الضفة الأخرى بعدما اعتقد أنه تجاوز محنة التنصيب و أصبح خوفه الحقيقي من احتمالات أخرى ، تحتاج حسابات جديدة!.. لكن مشكلة ولد عبد العزيز أنه لا يفهم أنه أصغر بكثير من أن يتحدى المغرب بتلك الجراءة، ثم يعود ليخطب ودها بكلمات معسولة : لقد رفض الملك حضور الاحتفالات الفرنسية حتى لا يجلس في صف يجلس فيه ولد عبد العزيز رئيسا للاتحاد الإفريقي. حتى بليز كامباوري ألغى مؤتمرا للتجارة، كان من المقرر أن يعقد في بوركينافاسو خوفا من أن يحضره ولد عبد العزيز كرئيس للاتحاد.. بعد ما سدت الأبواب في وجهه بهذه الوتيرة المتسارعة، عاد ولد عبد العزيز إلى الأحضان الجزائرية لأنه لم يبق أمامه إلا طريق واحد و هو طريق محفوف بالمخاطر ، لكن لم يبق أمامه إلا أن يسلكه : طريق السيسي و التحول إلى أحضان الروس و الدخول في نادي "حاصر حصارك" ... ـ قام ولد عبد العزيز فور قدومه بإصدار قرار تعريب مراسلات الجيش و هي ضربة للفرنسيين من جهة لا تحتاج إلى تفسير و ضربة للأمريكيين من أخرى لأنها تهمش الزنوج في الجيش و هذا معاكس تماما للتوصيات الأمريكية (الأوامر).. و اليوم قام ولد عبد العزيز بتعيين رئيس وزراء جديد من خارج نادي (الفرانكوفونية)، خريج الاتحاد كندا، و أبعد رئيس وزرائه السابق ولد محمد الأغظف الذي يعتبر ماريونيت الفرنسيين الأول في البلد، ليفهم فرنسا أن عليها أن تعيده إلى أحضانها.. و لن تفعلها فرنسا أبدا .. ـ سيهلل القوميون العرب اليوم لألاعيب ولد عبد العزيز التكتيكية و يعتبرونها انتصارا تاريخيا، ناسين أن معاوية الذي أدخل إسرائيل في البلد، فعل نفس الشيء حين عين الشيخ العافية وزيرا أولا و هو مثل صاحبكم خريج الاتحاد السوفيتي و قد عينه معاوية في ظروف مشابهة و إن كان بذكاء أكبر و حنكة أدهى و وفق خارطة طريق واضحة ، استطاع تنفيذها بدقة متناهية، لكن ولد عبد العزيز ليس ولد الطائع و السيسي ليس صدام حسين .. ـ و يبدو واضحا أن الإسلاميين الذين قرروا مساء أمس تعيين عمدة عرفات رئيسا لمنسقية المعارضة، لم يفهموا جيدا ما يذهب إليه ولد عبد العزيز؛ ليس هذا وقت خلق مشاكل داخل صفوف المعارضة و لا وقت تقديم هدايا لولد عبد العزيز. و تأكدوا أنه لم يعد أمامكم طريق لتفادي الاصطدام بولد عبد العزيز مهما فعلتم و عليكم اليوم أن تقرروا أن تستسلموا أو تواجهوا : ـ أولا لأن ولد عبد العزيز يحتاج إلى مشكلة للتغطية على فشله .. ـ ثانيا لأنه يعيش تحولا خطيرا لا يدري كيف يخرج منه و يحتاج إلى المال . ـ ثالثا لأنه يحتاج إلى موقف سعودي داعم حد الضامن .. ـ رابعا لأنه يحتاج إلى شق صفوف المعارضة و كان عليكم أن تحاولوا أن تصنعوا منها حاضنة ، لا خصما بمثل هذا القرار الخاطئ في مضمونه و في وقته.. -