“قضية غاية”، وانقشاع الغبار/الشيخ نوح

سبت, 2019-09-07 11:03

لطالما كانت مسألة الرق منذ تفجر الينابيع الحارة للأصوات المناهضة لهذه الممارسة اللاإنسانية بؤرة للجدل والآراء المتجاذبة، إلا أنه بعد أربعة عقود من الطرح أصبحت الشروخ بشأن المسألة ليست فقط ذات طابع عمودي، بحيث يتخذ اليمين الاجتماعي المستعبِد موقع الدفاع والتكتم، واليسار الرافض موقع الهجوم والتعرية، وإنما أصبحت التصدعات أيضا ذات أبعاد أفقية كذلك.
إن حركة المجتمع في هذا الاتجاه لا تعني بالضرورة أنه يتقدم، ولكنها وتعني قطعا أن المجتمع يتحرك بغض النظر عن طبيعة تلك الحركية، فمنذ أعلنت مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) عن اكتشاف حالة استعباد، بادرت قوى ومنظمات وأفراد إلى الدعوة إلى التروي، وإلى التشكيك في الحالة اصلا، وبدل أن تثير هذه الحالة نقاشا جادا، وتسائل النظام الجديد وتضعه على المحك؛ بخصوص مدى جديته في محاربته الظاهرة، وهو الذي لطالما قدم نفسه بوصفه حاملا لهم الهامش الاجتماعي ومبشرا بسياسة جديدة لتقليص الهوة بين الأغنياء والفقراء، اندلعت حرب كانتونات صغيرة، وأصبحت القضية مسألة هزيمة طرف وانتصار آخر. أصبحت حرا “داخلية” بين منظمات تتعمل في ذات مجال التدخل.
أصبحت هذه الحالة محاولة لإثبات المصداقية والنضالية في مواجهة تخوين متبادل، وتحجيم لدور هذا الطرف أو ذاك، عملا بمتراجحة أن ثقلك يعني بالضرورة خفة الآخر.
لم تُكتب مقالات مهمة (ليست هناك أقلام في الساحة تكتب منذ فترة) ولم تجر تحقيقات صحفية ميدانية (الصحافة ماتت منذ عقد)، ولم يعد نقاش الظاهرة إلى الفضاء العام، بقدرما عاد نقاش الحالة ونقاش المنظمة التي اكتشفتها، لقد غطت الشجرة على الغابة، وأصبحت المعارك الجانبية في الأروقة والممرات الضيقة هي الشغل الشاغل، فاختفت الصورة الكلية لصالح صور جزئية يصعب تركيبها.. تفرق دم الحقيقة وتارخية اللحظة بين قبائل الفسابكة وضجيج البراميل الفارغة.

لقد انقسم ما يمكن أن نسميه “النخبة الحقوقية” إلى معسكرين؛ أحدهما ضد الآخر، فهناك من دعموا إيرا وساندوها حتى قبل الاطلاع على التفاصيل لثقتهم التامة ربما في الحركة، أو لمصداقية نضالها على أرض الواقع، بينما هناك معسكر آخر ضم من شككوا في هذه الحالة، وطرحوا أسئلة يرونها جوهرية لتوصيف الحالة، غير أن الغائب الوحيد في هذه المناكفات كان العقل والموضوعية من الطرفين، وهو ما يعبر عن انشطار أفقي للحركة الحقوقية نفسها في البلد، وعن صراع زعامات، خاصة بعد أن تقاعدت أو كادت الزعامات التقليدية المنحدرة من المكونة المستعبدة والتي عانت ويلات الرق والتهميش، فهل سيذهب نبل القضية أدراج رياح أطماع الزعماء، أم أن هذه الحالة استثنائية وستنتهي؟

تاريخيا لم يسجل توتر في العلاقات بين هذه الزعامات والمنظمات، منذ تم سن قانون تجريم الرق، بهذه الحدة، والظاهر أن الشرخ عميق جدا، وأن الطرق بدأت تتمايز وأحيانا تتوازى كمستقيمات لا يمكن أن تلتقي أبدا.

إن “قضية غاية” قضية محورية ومفصلية في مستقبل المنظمات الحقوقية، وبارومتر لقياس مدى قدرتها على تبني خطاب جامع زمتنوع في الىن ذاته، يلتقي عند المنابع الكبرى ويسمح لنفسه بمستوى من التباين الذي لا يمس جوهر المسألة الحقوقية، كما أنها قضية استثنائية من حيث ظرفها التاريخي السياسي، ومن حيث تعامل الإعلام الرسمي معها، فلأول مرة تنشر الوكالة الموريتانية للأنباء بيانا للنيابة العامة بشأن حالة استرقاق، فهل كان ذلك استفادة من الشرخ العمودي والأفقي الذي تعيشه القوى المناهضة للرق تاريخيا، ومحاولة من السلطات للاستيلاء على الملف وسحب البساط من تحت المنظمات؟.
كما أن هذه الحالة شهدت تجاذبات ومراحل عديدة، وتخبطا من الفيديوهات والفيديوهات المضادة، إلى الصراعات الافتراضية والتخندقات والانحياات العاطفية، وهو ما يجعلها محكا لمستقبل محاربة هذه الظاهرة، فإذا تمت إدانة المتهمين وحكم عليهم بمقتضيات القانون، فإنها لا شك ستكون محطة مهمة، وفي حال حدوث العكس، فإننا إزاء ارتكاسات ونكوص نحو الماضي، وأشواق عارمة إلى زمن الاستعباد واحتقار الإنسان يغذيه فشل واضح للنخبة المتصدررة، وجشع غير مسيطر عليه في الاستفراد بالساحة.

فهل فعلا انقشع الغبار عن الخيوط كلها في قضية غاية؟.. السؤال هنا ليس من الناحية القنونية، بل من الناحية الاجتماعية والحقوقية.

هل انقشع الغبار أم أن هذه مجرد معركة في حرب طويلة يبدو أنها بدأت تأكل أطرافها مثلما تأكل الثورة أبناءها..؟!