ماذا يمكن أن نتعلم من نظام التعليم في اليابان؟ الجزء الأول د. المختار ولد حنده-أستاذ محاضر

خميس, 2014-08-14 19:32

 

(مقدمة)

   تعتبر اليابان من أكثر دول العالم نجاحا في مجال التعليم  (Schleicher 2013)، ولذلك فإنها تتصدر غالبا الدول التي ينجح طلابها في الامتحان العالمي لتقييم الطلاب (PISA) تتويجا لنجاعة مخرجاتها التعليمية وتساوي الفرص التعليمية فيها للجميع. وبالإضافة إلي مكانتها المشهودة في ميدان العلوم و التكنولوجيا فإن مكانتها على قائمة جائزة نوبل شبه محفوظة.  فمنذ عام 1949 كانت هناك خمسة وعشرين جائزة من جوائز نوبل في مختلف الاختصاصات الإنسانية و العلمية من نصيب أشخاص يحملون الجنسية اليابانية " أو أشخاص ولدوا في اليابان " ( الموسوعة الحرة للمعلومات : الويكيبديا) .

    وبالمقابل يكاد يجمع الموريتانيون على ضعف و تدني المستويات التعليمية الوطنية خصوصا في المراحل الأولى من التعليم ويشاطرهم في ذلك البنك الدولي الذي لاحظ سنة 2014 "أن الاختبارات العالمية الموحدة تبين أن المخرجات التعليمية لازالت متدنية على جميع المستويات رغم الجهود الكبيرة المبذولة في القطاع" (البنك الدولي 2014، ص 3).

وفي ضوء  ما تثيره هذه المفارقة  ، بين اليابان و موريتانيا ، من إشكاليات جدّية في موضوع التعليم ، تتنزل هذه الورقة البحثية لتساهم في تسليط الضوء، بشكل غير مباشر، على مكامن القوة و نقاط الضعف في النظام التعليمي الموريتاني من خلال الاطلاع على نظام التعليم الياباني. أما الهدف المباشر لهذه الورقة فهو الخروج بمقترحات من شأنها تحسين أداء نظام التعليم في موريتانيا.

   ومن حيث المنهج، تدخل هذه الورقة البحثية في مجال علم التعليم المقارن (أو التربية المقارنة) الذي يعتبر مجالا أكاديميا لدراسة التعليم في بلد واحد (أو مجموعة من البلدان) باستخدام البيانات والأفكار المستمدة من الممارسات والأوضاع في بلد أو بلدان معينة.

   ووفقا لهارولد وماكس (1998)،  فإن التعليم المقارن له أربعة أغراض:

 أولا  - وصف الأنظمة و العمليات و النتائج التعليمية.

 ثانيا  - المساعدة في تطوير المؤسسات والممارسات التعليمية.

 ثالثا  - تسليط الضوء على العلاقات بين التعليم والمجتمع.

رابعا  - إنشاء بيانات عامة عن التعليم تكون صالحة في أكثر من بلد. 

   وقد تم تجميع أغلب المعلومات الواردة في هذه الورقة من خلال ما ورد في محاضرات الدورة المذكورة بالفقرة التالية بالإضافة إلى مقابلات مع موظفين و مدرسين و طلبة تم لقاؤهم خلال زيارات تابعة للدورة.كما تمت الاستعانة بدراسات ذات علاقة  مباشرة  أو غير مباشرة بالموضوع .

وقد تم اختيار النظام التعليمي الياباني للاعتبارات التالية:

1- أنني بعثت من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الموريتانية للاطلاع على نظام التعليم في اليابان وذلك في إطار دورة سنوية تقدمها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي(JICA) حول "تمويل وإدارة التعليم: الجودة والفعالية المؤسسية وتساوي الفرص". واغتناما لهذه الفرصة، أردت أن أضرب عصفورين بحجر: أن أكتب تقريرًا غير تقليدي للوزارة يأخذ شكل ورقة بحثية علمية أكاديمية (للحصول على تفاصيل الدورة أنظر ملحق 1، بعد المراجع).

2- خلال هذه الزيارة،والتي وقفت فيها بأمّ عيني على دور التعليم في جعل هذا البلد في طليعة الدول المتقدمة رغم عدم توفره على موارد طبيعية تذكر، تأكدت لي قناعة سابقة بمركزية التعليم وأولويته في حل المشاكل الفردية والاجتماعية والاقتصادية التي نواجهها في موريتانيا. وفي هذا الإطار تندرج الورقة ضمن الجهود الحثيثة التي تبذلها سلطات البلد ويبذلها المعنيون بالشأن الوطني العام من أجل نشر الوعي بضرورة الاتجاه إلى التعليم، و التعليم فقط ، لحل جميع المشاكل الوطنية.

3- ينبع الاهتمام بنظام التعليم في اليابان ومحاولة مجاراته، بدل محاولة مجاراة أنظمة التعليم في دول أقرب لنا من حيث المستوي التعليمي، من قناعة بأن أقل فوائد مجاراة الأقوياء إخراجنا من صفوف الضعفاء. ولذلك تتأكد قناعتي بأننا لن نأخذ أنظمة الدول المتقدمة كمعيار لمدة عقد أو عقدين من الزمن إلا واكتشفنا أننا تقدمنا كثيرا على من كانوا معنا أو أمامنا قليلا في المستوي التعليمي.

4- قناعتي بقدرة المواطن الموريتاني وقابليته للتغيير والتقدم وهي القدرة التي يبرهن عليها انتقاله السريع من نمط الحياة البدوي إلى نمط الحياة العصري والمتقدم. فمن منا لا يعرف موريتانيا بدأ حياته في حي ريفي فقير ونائي واستطاع أن يحصل على أكبر شهادة من أرقي الجامعات العالمية ليصبح إطارا عالميا ينافس الكوادر العالمية الأخرى؟ وفي هذا الإطار،ليس مستحيلا أن يتغلب المواطن الموريتاني على كل كوابح و عوائق التقدم الجانبية ويرقي بموريتانيا إلى مصاف الدول المتقدمة من خلال التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري ، بواسطة  نشر التعليم لبلوغ تنمية شاملة ومستديمة  يستفيد منها كل الموريتانيين بالقدر الكافي لأن  يعيشوا حياة عزيزة وكريمة.

    وبعد هذا التقديم العام و الشامل فإن الورقة ستحاول تحليل عرض الموضوع من خلال التساؤلات  التالية:

  ما هي القيم العليا التي تحكم نظام التعليم في اليابان ؟ و ما هي المراحل الأساسية لتطور التعليم في اليابان وكيف هو واقع نظام التعليم الأساسي في اليابان ؟  وماذا عن آليات تمويل التعليم الأساسي في اليابان ؟ و كيف تدار  و تنظم إدارة التعليم الأساسي في اليابان ؟ و  ما هو نظام التقييم المعتمد في نظام التعليم الأساسي في اليابان ؟ و وكيف هو واقع نظام التعليم العالي في اليابان ؟ وهل يوجد نظام  لمعايير ضمان الجودة والتقييم في التعليم العالي الياباني؟  و ما هي عوامل نجاح التعليم في اليابان ؟  و ما المشاكل  أمام النظام التعليمي الياباني وماذا يمكن لنا – في موريتانيا -  أن نتعلم من نظام التعليم في اليابان ؟ وما هي الملاحظات التي تولدت لدينا من خلال مصاحبة و مناقشة وتحليل تجربة التعليم في اليابان.

ملاحظة:

*** شكر خاص للدكتور البكاي ولد عبد المالك والدكتوراحمد ولد نافع علي القراءة التحريرية والتعديلات التي اقترحاها بخصوص الورقة.

*** بإمكان القراء المهتمين بالتعليم واللذين لديهم أراء واقتراحات بخصوص هذا المقال أو بخصوص جوانب أخري من التعليم التواصل معنا علي البريد الالكتروني:elmoctar1969@yahoo.com

د. المختار ولد حنده-أستاذ محاضر-قسم اللغة الانجليزية- جامعة نواكشوط العصرية